المقريزي

76

إمتاع الأسماع

متى هو قاتلي ، ولكن سألكم لك أنيسا سائس الفيل محمود وإنه صديقي ، قال عبد المطلب : فذلك . فقال : هذا سيد قريش الذي يحمل على الجياد ويهب الأموال ويطعم في السهل ، ما هبت الريح والوحش والطير ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير فأحب أن تكلمه حتى يردها عليه . قال : فذكر ذلك أنيس لأبرهة فقال له : قد أتاك سيد قريش الذي يحمل على الجياد ، طلبه الملك قبل ذلك فأرسل إليه حناطة ، فوافى عبد المطلب باب الملك وعنده حناطة وأنيس فقال أنيس : هذا صاحب عير مكة ، وهو يطعم في السهل والجبل ، [ ما هبت الريح ] والوحش والطير ، وقال حناطة : هو سيد أهل مكة فأذن له ، فدخل - وكان عبد المطلب من أوسم الناس وجها وأجلهم - فلما رآه أبرهة أجله واستبشر برؤيته ، وأبرهة على سرير فنزل عنه ، وكره أن يكون تحته ، وكره أن يجلسه على السرير فيراه الحبشة جالسا معه على سرير ملكه ، فنزل أبرهة فجلس على بساط وأجلسه إلى جنبه ورحب به وقال لترجمانه : قل له ما حاجتك ؟ . فقال : حاجتي أن ترد علي مائتي بعير أصابوها إلي ، فلما قال ذلك قال أبرهة لترجمانه : قل له : قد عجبت حين رأيتك لهيبتك مع ما ذكر لي من شرفك وفعالك وتقدمك على أهل بيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني في مائتي بعير قد غصبنا [ منك ] ، وتترك ما هو دينك ودين آبائك وعزك وشرفك ، وقد جئت لأهدمه [ و ] لا تكلمني فيه . قال عبد المطلب : أنا رب الإبل ، وإن للبيت الذي تريد ربا سيمنعه . فقال أبرهة : ما كان سيمتنع مني . قال عبد المطلب : أنت وذاك . قال : ما أرى القوم يصدقون أنا نصل إليه ، وسيرون نصل إليه أم لا ، فإني لا أرى أحدا هم بشئ من هذا قبلي فيقولون قد حيل بينه وبين ذلك . قال أنت وذاك ، قد خرجنا عنه وما دونه أحد يصدك عنه ، فأمر بإبله فردت عليه .